الجيش الجنوبي في ذكراه الـ55.. اللواء الجمالي: من مجد الآباء وهيبة الأمس إلى معركة إعادة البناء.. ونحن على العهد باقون
عدن -المركز الإعلامي لقوات الأمن الوطني
أكد اللواء الدكتور عبدالسلام الجمالي، قائد قوات الأمن الخاصة والأمن الوطني، أن الذكرى الـ55 لتأسيس الجيش الجنوبي، التي تصادف الأول من سبتمبر، تمثل مناسبة لاستحضار تاريخ مؤسسة عسكرية عرفت بالهيبة والانضباط والكفاءة والشرف العسكري، مشيرا إلى أن مسيرة إعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية الجنوبية تمثل امتدادا لإرث الآباء وتضحيات الشهداء.
وأشار اللواء الجمالي إلى أن الجيش الجنوبي كان من الجيوش التي يحسب لها حساب، وكانت له مشاركات عربية، من بينها مشاركة قوات جنوبية ضمن قوات الردع العربية في لبنان عام 1976م، مؤكدا أن ما تعرضت له المؤسسة العسكرية الجنوبية من تدمير وإقصاء بعد عام 1994م لم يستطع محو إرثها وقيمها من ذاكرة أبنائها.
وأوضح أن مرحلة إعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية الجنوبية بدأت عقب حرب عام 2015م، بدعم من الأشقاء في التحالف العربي، وأن القوات الجنوبية قطعت خلال السنوات الماضية أشواطا مهمة في بناء وحداتها وتأهيل منتسبيها ورفع مستوى جاهزيتها، مؤكدا أن مسيرة البناء مستمرة، وأن أبناء الجنوب على العهد باقون.
وقال الجمالي في هذه المناسبة:
في الأول من سبتمبر، نستذكر بكل فخر واعتزاز الذكرى الـ55 لتأسيس الجيش الجنوبي، ذلك اليوم الذي شكل محطة فارقة في تاريخنا العسكري والوطني، وأرسى مداميك مؤسسة عسكرية عرفت بالانضباط والكفاءة والشرف العسكري وأصبحت لها هيبة وحضور ومكانة بين المؤسسات العسكرية في المنطقة.
لقد كان الجيش الجنوبي في مراحل قوته من الجيوش التي يحسب لها حساب وتميز منتسبوه بالصرامة والانضباط والالتزام، وكانت للزي العسكري هيبته، وللرتبة العسكرية احترامها، وللعسكري مكانته بين ابناء وطنه..ولم تكن تلك الهيبة قائمة على القوة والتسليح وحدهما، وإنما على منظومة متكاملة من التدريب والانضباط والالتزام والروح العسكرية التي ترسخت في نفوس الضباط والجنود..
وكان حضور الجيش الجنوبي يتجاوز حدود الوطن، حيث شاركت قوات جنوبية ضمن قوات الردع العربية في لبنان عام 1976م، في إطار المهمة العربية للمساهمة في وقف الاقتتال وحفظ الأمن خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وهي مشاركة عكست مستوى الجاهزية والانضباط والخبرة التي كانت تتمتع بها القوات المسلحة الجنوبية آنذاك.
وعندما نستعيد اليوم تاريخ ذلك الجيش، فإننا لا نستحضر مجرد أرقام أو محطات عسكرية، بل نستحضر رجالا صنعوا تاريخا وضباطا وجنودا حملوا مسؤولياتهم بكل شرف وتركوا إرثا عسكريا ظل حاضرا في ذاكرة أبناء الجنوب، رغم كل ما تعرضت له المؤسسة العسكرية لاحقا من تدمير وإقصاء.
وفي هذه المناسبة، نستذكر آباءنا الذين عشنا بينهم ونحن أطفال، وكانوا بالنسبة لنا المدرسة الأولى في معنى الانضباط والشرف والالتزام..
كنا نرى هيبتهم في زيهم العسكري وفي طريقة حديثهم وتعاملهم وفي حرصهم على أداء واجباتهم واحترام مؤسستهم ورتبهم وقوانينها.
لقد كانوا لنا القدوة الحسنة قبل أن نعرف معنى القدوة وتعلمنا منهم أن الزي العسكري ليس مجرد لباس، وأن الرتبة ليست امتيازا وأن حمل السلاح مسؤولية وشرف وأن العسكري الحقيقي يعرف بأخلاقه وانضباطه وثباته وإخلاصه في أداء واجبه.
ومن تلك البيوت، ومن أولئك الرجال، تشكلت في وجداننا صورة العسكري الجنوبي الذي يعتز بزيه ويحترم مؤسسته ويؤمن بأن الشرف العسكري لا يقاس بالكلمات وإنما بالمواقف والتضحيات والالتزام.
لكن هذه المؤسسة تعرضت بعد عام 1994م لعملية تدمير وإقصاء ممنهجة طالت بنيتها العسكرية وكوادرها ومؤسساتها، وأدت إلى إضعاف وتفكيك الكثير من مقومات الجيش الجنوبي، في محاولة لطمس هويته وإلغاء حضوره ودوره..
ومع ذلك، لم تستطع سنوات الإقصاء والتهميش أن تمحو إرث الجيش الجنوبي من ذاكرة أبنائه، ولم تنجح في قتل القيم التي حملها رجاله، فقد بقيت تلك القيم حاضرة في وجدان الأجيال، وظل حلم استعادة المؤسسات العسكرية والأمنية الجنوبية حيا.
وبعد انتهاء حرب عام 2015م وطرد مليشيات الحوثي من العاصمة عدن وبقية محافظات الجنوب، بدأت مرحلة جديدة من العمل الوطني لإعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية الجنوبية، بدعم من الأشقاء في التحالف العربي، انطلاقًا من واقع بالغ الصعوبة، وبإمكانات محدودة، ولكن بإرادة رجال آمنوا بأن الأمن لا يمكن أن يستقر دون مؤسسات، وأن حماية الأرض والمواطن لا يمكن أن تتحقق إلا بقوات منظمة ومدربة وقادرة على أداء واجباتها.
ومنذ ذلك الحين، قطعت القوات الجنوبية أشواطا مهمة في بناء وحداتها العسكرية والأمنية وتأهيل منتسبيها وترسيخ الانضباط والالتزام ورفع مستوى الجاهزية، مستندة إلى إرث الأجيال السابقة، ومستفيدة من دروس الماضي وتحديات الحاضر.
وقد كان الطريق مليئا بالتضحيات وسقط فيه شهداء وجرحى قدموا أغلى ما يملكون في سبيل حماية الأرض وتأمين المواطنين ومواجهة التهديدات، وسيظل هؤلاء الأبطال جزءا أصيلًا من مسيرة إعادة بناء المؤسسات لأن المؤسسات لا تبنى بالقرارات وحدها، وإنما تبنى بالتضحيات والعمل والإرادة.
إن إعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية الجنوبية ليست مجرد استعادة للماضي، ولا محاولة لإعادة إنتاج تجربة تاريخية بحذافيرها، وإنما هي مسؤولية تجاه المستقبل، تفرض علينا بناء مؤسسات حديثة ومهنية ومنضبطة، تستفيد من إرثها العسكري، وتواكب متطلبات العصر، وتضع الكفاءة والانضباط والشرف العسكري أساسًا لها.
وفي الذكرى الـ55 لتأسيس الجيش الجنوبي، نستحضر آباءنا ورجالنا الذين سبقونا ونستحضر هيبة المؤسسة التي خدموا فيها ونؤكد أن أعظم وفاء لهم هو الحفاظ على القيم التي تعلمناها منهم، ونقلها إلى الأجيال الجديدة حتى يبقى العسكري الجنوبي نموذجا للانضباط والأخلاق والشجاعة والالتزام بالواجب..
كما نترحم على شهداء القوات المسلحة والأمن الذين ارتقوا في ميادين الشرف والواجب، ونحيي الجرحى والمرابطين في مواقعهم، ونؤكد أن تضحياتهم ستظل أمانة في أعناقنا، وأن الوفاء لهم يكون بمواصلة طريق البناء وحماية المواطنين وصون الأمن والاستقرار.
إن الأول من سبتمبر، في ذكراه الخامسة والخمسين، ليس مجرد تاريخ نحتفي به، بل عهد متجدد، عهد بأن نحافظ على إرث الآباء، ونصون تضحيات الشهداء، ونواصل بناء مؤسساتنا العسكرية والأمنية، ونرسخ فيها قيم الشرف والانضباط والاحتراف.
ما بناه الآباء سنحافظ عليه، وما تعرض للتدمير سنعيد بناءه، وما تحقق بتضحيات الشهداء لن نفرط فيه.
وسنظل أوفياء لذلك الإرث، متمسكين بالقيم التي تعلمناها من آبائنا، مؤمنين بأن قوة المؤسسة تبدأ من انضباط رجلها، وأن هيبتها تبدأ من احترام منتسبيها لواجبهم وقانونهم، وأن مستقبل القوات العسكرية والأمنية مرهون بكفاءة رجالها وتماسك مؤسساتها.
ونحن على العهد باقون، عهد الآباء، وعهد الشهداء، وعهد الرجال الذين حملوا شرف الزي العسكري، وعهد كل من آمن بأن بناء مؤسساتنا العسكرية والأمنية مسؤولية وطنية لا تراجع عنها.
الرحمة والخلود لشهدائنا الأبرار، والمجد لكل من حمل شرف الواجب، والتحية لكل منتسبي القوات المسلحة والأمن.
وكل عام وقواتنا المسلحة والأمنية الجنوبية ورجالها الأبطال بخير وثبات واقتدار.
اللواء الدكتور عبدالسلام الجمالي
قائد قوات الأمن الخاصة والأمن الوطني
المركز الإعلامي لقوات الأمن الوطني – قوات الأمن الوطني