عدن في ذكراها الحادية عشرة: ملحمة الأرض، وعقيدة النصر، واستبسال الأبطال
عدن- المركز الإعلامي لقوات الأمن الوطني
تطل علينا الذكرى الحادية عشرة لتحرير العاصمة عدن (27 رمضان 1436هـ / الموافق 14 يوليو 2015م)، لتستنهض في نفوسنا مشاهد البطولات الاستثنائية التي سطرها أبناء هذه المدينة الصامدة. لم تكن عدن مجرد مدينة تقاوم، بل تحولت إلى قلعة نضال عصية، وصاغت ملحمة استبسال أذهلت الخبراء العسكريين، حين خرج شبابها ورجالها بصدور عارية وفطرة نقية للدفاع عن الدين، والعقيدة، والعرض، والهوية.
قبل انطلاق “عاصفة الحزم” وقبل وصول دعم التحالف، كانت المقاومة في عدن قد تشكلت من نواتها الأولى؛ من شباب و أبناء الأحياء، من المعلمين، والطلاب، والموظفين. هؤلاء المدنيون الذين لم يألفوا حمل السلاح، انتفضوا ملبين نداء مآذن المساجد، وتوجهوا بجموعهم نحو “معسكر جبل حديد” ليغتنموا ما تيسر من سلاح، حتى أن البعض كان يتناوب على القطعة الواحدة لشدة الشح في العتاد، لكن الإيمان بالله ثم بالقضية كان أقوى من نوع السلاح.
لم تكن معركة عدن قتالاً عسكرياً فحسب، بل كانت نموذجاً فريداً للتكافل الاجتماعي؛ ففي الوقت الذي كان فيه الشباب في المتارس، كانت الأمهات والزوجات والأخوات يجهزن الوجبات للمقاتلين، بينما كان رجال المال والأعمال يدعمون الجبهات بعيداً عن الأضواء. لقد توحدت أطياف محافظة عدن الباسلة خلف هدف واحد: دحر المشروع الحوثي الدخيل، ومنع تمدد أفكاره الغريبة عن أرض عدن السنية بفطرتها وعقيدتها.
ولقد برزت في تلك المرحلة قيادات ميدانية وعسكرية مخلصة، جمعت بين الخبرة وروح التضحية، أداروا غرف العمليات ونظموا الجبهات بروح الفريق الواحد، مما عزز الصمود الأسطوري في وجه الآلة العسكرية الغاشمة.
لقد شرفني الله آنذاك بمسؤولية الإمداد والتموين ومالية المقاومة، وعملت على رفد الجبهات المشتعلة بالرجال والعتاد. وأتذكر جيداً جبهات “البساتين، وبئر أحمد، وجعولة، والصولبان”، حيث رأيت شباباً يتسابقون نحو الشهادة بمعنويات تعجز الكلمات عن وصفها.
رأيت مايعجز اللسان عن وصفه ، كيف كان الأبطال يندفعون نحو خطوط النار الأمامية، بقلوب لا تعرف الخوف ، معنوياتهم تعانق السماء.
كما لا ننسى تلك الجهود في تأمين وصول العتاد عبر البحر من أبناء الخيسه الشجعان وفي مقدمتهم الشيخ عبد الله الريني وتحميلها في القواطر، وتفريغه وتسليمه لنا في “معسكر مدرسة النهضة” تحت أزيز الرصاص وقذائف الهاون، لتوزيعه على الجبهات التي كانت تعاني نقصاً حاداً في كل شيء إلا “العزيمة”.
ومع تدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، انتقلت المعركة إلى طور الحسم. ونستذكر هنا الدور المحوري لقوات التحالف التي اختلطت دماؤها بتراب أرضنا، وتضحياتهم في تأمين المسارات من القناصة والألغام. وسقوط اول شهيد اماراتي على بوابة معسكر الصولبان الشهيد باذن الله العميد الكعبي
ومن “ميناء الزيت” انطلقت المدرعات، مروراً بـ “جولة كالتكس” و “المملاح”، وصولاً إلى المطار وخور مكسر وكريتر، ثم المعلا والتواهي، وصولاً إلى الرباط وصبر ولحج والعند. حينها ارتفعت تكبيرات النصر والتهليل من مآذن عدن، معلنةً تطهير الأرض من المليشيات.
عدن لا تنسى أبناءها
رغم محاولات الإقصاء والتقليل من شأن الأدوار التي بذلها ابناءها ، إلا أننا على يقين أن عدن لن تنسى من أحبها بصدق وبذل روحه في سبيل كرامتها . ومع مرور أحد عشر عاماً، نأمل ونثق ممن هم في هرم السلطة والقيادة السياسية والعسكرية —ممن كانوا رفاق السلاح ويعلمون حقيقة تلك التضحيات، وفي مقدمتهم نائب مجلس القيادة الرئاسي القائد / عبدالرحمن أبو زرعة الذي أعاد لنا الأمل من الجديد في احياء هذه الذكرى العزيزة على قلوبنا ونامل أن يعيد الاعتبار لرجال الميادين والمقاومة الحقيقيين .
سيظل تاريخ تحرير عدن محفوراً في صفحات المجد بفضل الله ثم بدماء الشهداء؛ أولئك الذين خرجوا لا يعرفون كيف يمسكون السلاح، فصاروا أسوداً حمت العقيدة والأرض.
كتبه/ عرفات أبو عبدالله
مدير الادارة العامة للتوجيه المعنوي لقوات الامن الوطني
عدن 27/ رمضان / 1447هـ
الموافق 16/ مارس / 2026م
المركز الإعلامي لقوات الأمن الوطني – قوات الأمن الوطني